فضل حسن عباس

150

قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )

هذا هو حل اللغز لهذه القضية المعقدة ، التي بحثت كثيرا قبل القرآن ، وقبل ظهور الإسلام ، وعلى هذا فيمكننا أن نفهم النصوص الأخرى التي تبين أن المشيئة للّه وحده ، ولا أقول تسلب الإنسان حريته ، كما جاء في الموسوعة ، فهناك فرق بعيد جدا بين أن نفهم من القرآن أنه يثبت المشيئة للّه وحده ، وبين أن نفهم منه أنه يسلب الحرية عن الإنسان كل السلب . ونحن إذا استعرضنا هذه الآيات وجدناها جاءت في سياق التثبيت للنبي عليه وآله الصلاة والسلام ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتألم لعدم إيمان قومه ، لأنه يريد لهم الخير ، لا لأن إيمانهم سيجلب للنبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم مكاسب مادية ومعنوية ؛ وإنما لخيرهم وخير البشرية معهم ، فكان القرآن يسلّيه ويثبته بأن لا يحزن ، فإنهم جبلوا على الشر ، ولو شاء اللّه هدايتهم لفعل ، ولكن حاشاه أن يخرق أسوار العدالة وهو الحكم العدل . والمتأمل للآيات يجد مصداقية الذي قلت ، ويكفي أن نذكر ببعض هذه الآيات وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) [ يونس : 99 ] ، وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) [ يونس : 100 ] ، فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 ) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 81 ) [ النمل : 79 - 81 ] ، وهكذا إذا تدبرنا الآيات فسنجد أن أكثرها يتحدث عن حرية الإنسان واختياره أو أن بعضها يتحدث عن مشيئة اللّه ، وأن هذه الفئة الثانية لا تنافي الآيات الأولى ، وأن السياق الذي جاءت فيه كان تسلية وتثبيتا للنبي الكريم ، وأن علم اللّه الأزلي لا يمكن أن يكون حجة للناس في سلوك طريق الضلال ، بل إنّ علماء الكلام المسلمين ذهبوا إلى حدّ من الجرأة والصراحة فقرروا أن هذا الإنسان إنما يحاسب على كسبه ، وأنه هو الذي ينشئ هذا الكسب ويختاره .